الشيخ محمد هادي معرفة

161

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

للانحراف وموجب للانصراف عن الجِدّ في الحياة ، وكان ذريعة لإشاعة الفحشاء في الذين آمنوا ، سواء أكان بسبب محتواه المُغري أو ملابساته المُغرية ، فإنّه حينذاك يدخل تحت عنوان « لهو الحديث » و « اللغو » و « الباطل » وأخيرا « قول الزور » ، ويصبح مصداقا له بلا ريب . أمّا إرادة كونه متّحدا معه مفهوما - لغة أو تعبّدا - فهذا شيء غريب عن ظاهر التعبير ، ومخالف للواقع قطعا ، إذ لااصطلاح للشرع بذلك ولا هو موافق للوضع . يُنبؤك بذلك تفسيرُ « الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ » الوارد في الآية أيضا بالشطرنج . ففي حديث عبد الأعلى ، قال : سألت جعفر بن‌محمَّد عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ : « فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ » ؟ قال : « الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ » الشطرنج ، و « قَوْلَ الزُّورِ » الغِناء . . . قال : قلت : قول اللّه عزّوجلّ : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ » ؟ « 1 » قال : منه الغِناء . « 2 » وهذا أوضح شاهد على إرادة المصداق دون الاتّحاد في المفهوم . ونظيره أيضا ما في حديث حمّاد قال : سألت الصادق عليه السلام عن « قَوْلَ الزُّورِ » ؟ قال : منه قول الرجل للذي يُغنّي : أحسنت . « 3 » لا شكّ أنّ الذي يُغنّي بغناء فاسد ، إذا قلت له : أحسنت ، فقد أغريته وأوجبت إصراره على ارتكاب الفحشاء وبثّ الفساد في الأَرض . كلّ ذلك دليل على أنّ الغِناء إنّما يحرَّم إذا صدقت عليه العناوينُ الباطلة من اللهو المُغري واللغو المُفسد وقول الزور . أمّا إذا لم يكن من ذلك - كما إذا كان وسيلة للتأثير بالمواعظ الحسنة وزرع الفضيلة والمكرمات في النفوس المستعدّة - فهذا إلى الحقّ أقرب منه إلى الباطل . وكونه داعية إلى الصلاح والرشاد أولى من كونه سبيلًا إلى الفساد . وفي الأحاديث الصحيحة مايدلّ على هذا التنويع في الغناء ، إلى حرام وحلال ، فساد

--> ( 1 ) - لقمان 6 : 31 . ( 2 ) - الوسائل ، ج 12 ، ص 229 ، رقم 20 . ( 3 ) - المصدر : رقم 21 .